إن الانسانَ ذِئبٌ لأخِيهِ الإنسان

إن الحربَ ظاهِرةٌ تاريخية بدأت منذُ أن وُجد البشر، وأصبحت مُلازمة لوجودهم، فمُنذ أن قَتَل قابيل أخاهُ هابيل، إستمر إنسٍيابها عبرَ التاريخ حتى  وصلت الى هذا الدركِ من القتلِ والعُنفِ والبطشِ، أن يأكل الانسان لحمَ أخيهِ في البشرية. وهذا ما دَفعَ احدهُم الى القول:”إن تاريخ الانسان هو تاريخ الحرب”. وهنا نتساءلُ هل نحنُ البشر عُدوانيونَ بطبيعتِنا؟ هل العُدوانية غريزةُ فُطِرنا عليها؟
يقول الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز(1588-1679) “إن الانسانَ ذِئبٌ لِأخيهِ الانسان
L’homme est un loup pour l’homme
إن مقولة هوبز وعلى الرُغم من تشاؤمِيتها، إلا أنها تُمثل توصيفاً صحيحاً للحالة التي وصل إليها التاريخ البشري في وقتنا الحاضِر، حيث أصبحنا نعيشُ في عالمٍ شيطاني، بعيدُ كلً البُعد عن التعاليم السماوية التي أمَرنا الخالِق بإتباعها والعملِ بها، ليسَ فقط إبتغاءً لمرضاتِه وإنما لِخيرِنا وسعادتِنا
لقد وهَب الله الانسانَ كوكباً جميلاً، غنياً بالخيراتِ والثروات، وميزهُ عن سائِر الكائنات بِنعمةِ العقل، واكرَمهُ بأن أرسلَ إليه الانبياء والرُسُل ، الذين بشًروا بالدِياناتِ السَماوية من أجل نشر الخير وإحقاق الحق، وتنظيم عِلاقاتِه مع الآخرين على مَبادىء الخيرِ والمحبة ، وليس على مبادِىء الشر والكراهية. لكن وللاسف بالرغم من كل هذه النِعم الإلهية، وبلايين الكُتبِ والدساتير، ومُجلدات القانون والحُقوق، ورُغم كل مظاهِر التطور والحداثة ، فإن الانسان لم يتخلصَ من طبيعتِهِ العدوانية الشريرة، حيثُ لا يزال يفتك بأخيه الانسان فتكاً ذريعاً، حتى أصبح الافتراسُ طبيعة أصيلة في البشر
يَعتبر عالِم الاجتماع “ابن خلدون” ان للإنسان خاصِيات طبيعية عديدة، فهو شبيهُ في تركيبتهِ البيولوجية بالحيوان ولكن ما يُميزه هو الفِكر. ويقول في كِتابه “المقدمة” :”إن الانسان من جِنسِ الحيوانات، وأن الله تعالى ميزهُ عنها بالفكر”. إن الطبيعة البشرية خيِرة بالفِطرة، ولكنَ الإعتِبارات الخارجية هي التي تجعلُ الشرَ يتأصلُ شيئأً فشيئأً في الانسان. واذا ما تأملنا في واقِعِنا الحالي، القائم على  تراكُمات الماضي بكلِ ما تحتويه مِن إيجابيات، نجدُ انفُسنا نحنُ البشر قد تحولنا الى وحوشٍ كاسرةٍ، القوي يأكلُ الضعيف، ولم يعد هُناك شيئاً يُميزنا عن سائِرِ الكائِنات التي خلقَها الله على سطحِ هذا الكوكب الجميل
و للإنصافِ لا بُد من القول إن ما تعرضَ اليه المجتمع البشري من حُروبٍ و أعمال عنفٍ وقتلِ وتدمير، لا يُمكن ان نُنسبه للانسان بِحَد ذاتِه، هذا المخلوق الذي فضَله الخالِق على غيرهِ من الكائِنات، حيث يقولُ الله تعالى في كِتابهِ الكريم ” لقد خلقنا الانسانَ في أحسنِ تقويم”، إذ ان نُشوء المجتمعات البشرية و تطورِها حتى اصبَحت دُولاً وامماً وقوميات، كان السببُ الرئيسي الذي ادى الى تَغير الطبيعة البشرية لِيغلُب عليها الطابعُ العُدواني الشرير. إن حاجةَ الدول الى الموارد الطبيعية من اجلِ تطوير صِناعاتِها المُتنوعة وخاصةً مع تزايد عدد السكان، وما يترتبُ على هذا من مُتطلباتٍ عديدة، ادى الى لُجوء الدول والانظمة الى الحروب للسيطرة على هذه الموارد و الخَيرات التي اصبحت تُشكل العصَبَ الاساسي لإستمرارِها وديمومَتِها
اذاً منذُ بِدء التاريخ والبشرية تخوضُ الحُروب، ولطالما كانت هذه الحروب تُسبب المآسي والويلات، وتُعمق الكراهية بين الشعوب، وتُغير معالِم المناطق ومسَار الاحداث الكبرى، وتُمهد للانسانية عهوداً جديدة من الكراهية والظلم مع تطورات الحياة على مختلف الاصعدة، حتى أنها صارت مع تقدُم العصور تحمل خلفياتٍ واهداف مغايرة، وباتت مع  بُزوغ العصر الإستعماري تحملُ عناوين حضارية وثقافية وانسانية، من اجلِ إحقاقِ الحرياتِ العامة والفردية، لكنها في الحقيقة ابعدُ ما تكون عن ذلك، بل هي الصِراعُ من أجل السيطرةِ على الموارِد الطبيعية والطاقة وغيرُها
يقول ميخائِيل نُعيمة في كِتابه “سبعون”: ” انها الحرب، وحدهًا تستطيعُ ان تُبدع مثل ذلك الابداع في تشويهِ النفس الانسانية، وخيالُها هو الخيال الذي لا حدَ لقُدرته في مسحِ الجمال والكمال، وفي إختلاقِ الاوجاع وقلبِ الاوضاع”. ويقول ايضا:” إن الانسانَ احطُ من الحيوان، إن الذي يزهو بعقلِهِ يغدو في الحربِ بدون عقل، فهو يُشوه الصحيح ثم يعود فيُحاول تصحيحَ ما شوَه، وهو يقتُل الحي ليَعود فيندُب الحي، ويُدمر ما بناه ليَعود فيُرمم الذي دمَره. إنتهت الحرب…في ذلك اليوم، رقصَ الملايين من الناسِ في شَتَى بِقاع الارض وغَنوا وسَكروا وعَربدوا، إلا الذين تَذوقوا طَعمَ الحرب اولِئِك ظَلوا صامِتِين
هذهِ هي الحروب! شَعواءٌ لا تأبهُ بشيء، مُرعبة وكاسِرة للقلوب، مُدمرةُ لِكُل القِيم الانسانية، تزرعُ الكراهية في نفوس البشر، و هي لا تأتي إلا بالالم والموت والمعاناة للبشر
لقد ظَلت تُراوِدني منذ صِغري تساؤلاتٍ، حاولتُ  مَراراً ان اجد لها الاجوبة المناسِبة، ولكنني لم أُوَفق حتى اللحظة، لا بَل ومع تقدمِ الزمن،  أُضِيفت الى القائِمةِ تساؤلاتٍ جديدةٍ، تُرى ماذا سَيكون حالُ البشرية لو لم تكُن هُناك حروب ؟ ماذا سيكون حالُ المُجتمعاتِ البشرية لو لم تُخترع الاسلحة وتُصرف الاموالُ الطائِلة على التسَلُح، وتُستنزفُ الطاقات في صِناعة الاسلحةِ وآلات الدمار؟ كيف سيكونُ حالُ المجتمع البشري لو أن كل هذه الاموال والطاقات والقوى البشرية إستُخدِمت وإستُنزِفت في حُقولِ التعليم والصحة والتنمية والبيئة، وتعزير روابط الصداقة والإلفةِ والمحبة بين الشعوب؟ لماذا لا نعودُ نحن البشر الى رُشدِنا، ونَعي أننا بِكراهِيتِنا وانانِيتِنا وحُروبنا الدموية ذاهِبونَ لا مَحالة الى الهلاكِ العظيم؟
ما أحوَجَنا اليومَ الى أن نَتوحد حول قِيمِ الخير والمحبة، وان نتخلصَ من أنانيتنا، فنتشاركُ جميعاً هذا الكوكبَ الجميل، و نعملُ على المُحافظةِ عليه بعد ان أبدعنا في تخرِيبه و تدمِيره
قد يقولُ البعض بأنني أُغالي فيما اقول، فمدينةُ افلاطون الفاضِلة لا مكانَ لها الا في أحلامِنا، لم يَعد للقِيمِ الانسانيةِ ايةُ قِيمةٍ او إحترام، فالعالمُ اليومَ تحكُمَهُ قِيم القوةِ والقتلِ والبطشٍ، لقد انتصرت نَزعةُ الشرِ على الخيرِ، واصبحَ الانسانُ اسيراً لِرغباتِ الشيطان، يُسيره كيفما يشاء، اقولُ هذا وقلبي يحترقُ ألماً على ما وصلنا اليهِ نحن بني البشر من قتلٍ وذبحٍ وفتكٍ بِبعضِنا البعض.ألم تكفِينا كلُ هذه الحروب والويلات والمآسي؟ الم نتعِظ ونتعلم من أخطائِنا وخطَايانا؟ لماذا إستَسلمنا لِرغباتِ الشيطان، وأهملنا التعاليم السَماوية التي تُنادي بِالخيرِ والمحبةِ والتسامح؟
ما احوَجنا اليوم لعدوٍ واحدٍ يَجمعُنا، لِكائنات فضائية تُهاجم كوكبنا، رُبما هذا يُوحِدنا نحنُ البشر لمُواجهتِها، لنُدافع عن كوكَبنا الام، علً ذلك يُنسينا نِزاعَاتنا وخِلافاتنا وانانيتَنا واحقَادنا، ونعود الى طبيعَتنا البشرية الخَيِرة التي فُطِرنا عليها. هكذا يجب ان نكون، ليس من أجلِنا فقط ، بل من اجلِ أجيالنا التي تستحِقُ ان تعيشَ وتَحيا على هذا الكوكَبِ بأمانٍ وطُمأنينةٍ وسلام
سعيد توبة

Leave A Reply