السودان الى اين؟

عجيبُ امر الزعماء القادة، اصحابَ الفخامةِ الرؤساء، اصحاب الجلالة الملوك، اصحاب السمو الامراء العرب، فهم لا يتركون كُرسي الحُكم الا مُكرهين، مُجبرين، مُرغمين، فإما مرضٌ داهِم، او شللٌ نصفي، او موتٌ مُفاجئٌ، او إغتيالٌ غادِرٌ، او انقلابٌ عائليٌ عسكريٌ سياسيٌ، يُفرِقهم، يُبعدهم عن حبيبتهم الغالية كُرسي الحكم، فعِشقهم لها قد ضاهَى عِشق عنترة لحبيبته عبلة، تراهُم يستمِيتون دفاعاً عن حُبهم  الاعمى لها، يغارون عليها من نسمة هواء، وقد امسوا كظِلها لا يبرِحونها، فهم دائما من حولِها وفوقِها وخلفِها وتحتِها، يُحطمون، يُدمرون كل شيء لكي تظًلَ في احضانهم المُتخمة، يبطُشون، يقتُلون، يقهرون، يُعذبون شُعوبهم اذا ما غارَت يوماً من حبِ وعشقِ وغرامِ قادتِها لها، يحرِسُونها كما تحرسُ الملائكة الاطفال الابرياء، يتمَنون لو يصطَحِبونها معهُم حتى بعد مَمَاتِهم، ليُكمِلوا تمتُعِهِم وتلَذُذِهِم بها في قصورِهِم الترابية الابدية، يُوَرثُونها لاولادهم واحفادهم واحفاد احفادهم، كأنها ملكُ خاص لهم، قد كُتب بإسمهم الى ابد الابد

إن ما شهده السودان مُؤخرا من إضطرابات وإحتجاجات شعبية عارمة بسبب سوء الاوضاع الاقتصادية، وإنتشار آفة الفساد وتفشِيها في ادارات الدولة، إضافة الى ضيق هامش الحريات والانتهاك المستمر والفاضح لحقوق الانسان ، ادى الى انقلاب عسكري( إستباقي) قام به الجيش على رئيس امسك السلطة منذ ثلاثين عاما عبر انقلاب مُماثل، فأطاح بحُكمِه وفرض حُكماً عسكرياً بدلاً من مجلس مدني لإدارة المرحلة الانتقالية، إضافة الى ما شهده سابقا من أزمات وانقلابات وحروب داخلية زعزت استقراره، وزادت من حِدة مآسيه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وساهمت في تقسيمه طائفياً وجغرافياً، كل هذا يُلخص حال مُعظم الدول العربية وانظمتها السياسية التي فشلت في تحقيق احلام شعوبها في العيش بكرامة وطمأنينة، شانها شأن باقي الشعوب الاخرى التي تنعمُ بالحرية والعدل والمساواة، وبحياةٍ كريمة قامت وتاسست الدول  وانظمة الحكم في العالم من اجل تامينها لشعوبها

لقد اجمع جميع فلاسفة علم السياسة والاجتماع على ان للدولة اركانٌ ثلاثة اساسية، ولا يمكن لها ان تقوم وان تُحافظ على ديمومتِها وإستمراريتها اذا حدث خلل في إحداها، فهي تتكامل مع بعضها البعض، فلا وجود لدولة من دون إقليم جغرافي محدد لها، ودون شعب يعيش على ارضِها، يتمتع بحقوقه، ويقوم بواجباته التي يفرضها شعور الانتماء والولاء، ودون وجود سلطة سياسية عُليا يُناط بها حماية هذا الاقليم الجغرافي والدفاع عنه امام كل طامع، وايضا ادارة شؤون وشجون الشعب المُكون للدولة، بحيث تكفل له حقوقه في المواطنة وتأمين حياة كريمة له، مقابل ان يقوم بواجباته كاملة

يرى إبن خلدون بأن الدولة لا تتحقق الا إذا حققت وظائِف واغراض تستفيد منها الجماعة البشرية. واما افلاطون فإن اهم ما يُميز جمهوريته هي العدالة، لذا فإن غاية الدولة عنده هي تحقيق الانسجام والتناغم بين مُكونات المجتمع. اما ارسطو فإن غاية الدولة عنده هي تحقيق الخير الاسمى، فكل توافق بشري هو من اجل تحقيق خيرها، والدولة هي اسمى ائتلاف فهي ترمي الى اسمى الخيرات وهذا الخير ليس سوى ضمان سعادة كل الافراد، وعبر تحقيق كل احتياجاتهم الطبيعية، وقد وجد الانسان بالنسبة لارسطو لكي يعيش في دولة، ولقد وجدت الدولة من اجل تحقيق الخير له

وعلى ضوء ما تقدم نخلص الى القول ان للسلطة السياسية دور اساسي في بناء الدولة وتطورها، وفي تحقيق سعادة و رفاهية الشعوب، وهنا نتساءل الا تستحق الشعوب العربية ان تنعَم بالعيش في ظلِ انظمة حُكم عادلة لا جائِرة، صالحة لا فاسِدة، ديمقراطية لا دكتاتورية، وطنية لا طائفية. مُهابة لا ذليلة، الم يبلغ المواطن العربي سِن الرشد بعد لكي يحصل على حقوقه الطبيعية التي هي حقوق بديهية بالنسبة لاي شعب من شعوب العالم. الى متى ستبقى هذه الازمات المُستفحلة تضرب مجتمعاتنا العربية، فالسودان هذه الدولة العملاقة، والتي اعتبرت منذ اوائل التسعينات من القرن الماضي (سلة غذاء العالم) بسبب وفرة الاراضي الزراعية والمياه، وايضا تُعتبر واحدة من الدول الاكبر مساحة على الصعيدين العربي والافريقي، لا تزال الازمات تضربها منذ استقلالها 1956 عن بريطانيا، فبين فشل بعضها ونجاح الآخر رسمت مشهد البلاد السياسي حتى الآن، وهذا كان حال معظم الدول العربية التي منحها المُستعمر استقلالاً مزيفاً، لكنه ترك في رحمها  بزور الفتنة والتفرقة، ليعود اليها مستعِمرا لكن بوجه جديد، اذ بعد عام واحد من إستقلال السودان قامت مجموعة من ضباط الجيش بإنقلاب ضد حكومة اسماعيل الازهري، لكن المحاولة باءت بالفشل في مراحلها الاخيرة، وعلى الرغم من ذلك لم يمكث الازهري طويلاً في السلطة حتى نجحت بإسقاطه محاولة اخرى قادها الفريق ابراهيم عبود الذي ترأس حكومة عسكرية لمدة سبع سنوات شهدت عدة انقلابات فاشلة ضده، اولها ما قام به عدد من الضباط الذين اصبحوا فيما بعد جزءا من الحكومة عوضاً عن اعتقالهم كما جرت العادة، لكن بسبب تكرار المحاولة فإن صبر ابراهيم عبود نفذ فعاد الى الاسلوب التقليدي اي الحديد والنار ليَعدم و يسجن الساعين للاطاحة به في نهاية المطاف، مما ضمن له البقاء في السلطة حتى عام 1964 ، قبل ان تسقطه ثورة شعبية وُصِفت حينها بالاكبر في تاريخ البلاد، ومقارنة بكل ما سبق كان إنقلاب عام 1969 الذي قام به جعفر النميري هو الاكثر شهرة والابعد اثراً، ليؤسس على اثر ذلك حكومة استمرت 16 عاما، خلال هذه الفترة تعامل النميري بحذر شديد وافشل عددا من الانقلابات ضده ابرزها انقلاب القادة ورفاق دربه، حيث كاد ان يودي بحكومته بعد الاستيلاء على العاصمة الخرطوم بيومين، لولا ان النميري استطاع إستعادة السيطرة فنصب المشانق للمتمردين عليه، لكن هذا لم يمنع معارضيه من ان تسول لهم انفسهم بإعادة المحاولة لينجو مرة اخرى و يلقى الانقلابيون حتفهم رمياً بالرصاص، هذا الامر دفع نظام النميري الى التصعيد في مواجهة محاولة انقلابية اخرى عام 1976، وذلك بتحريض من قوى المعارضة التي تتخذ من ليبيا مقراً لها وبمساعدة ضباط في الجيش، الا ان نصيبهم لم يكن افضل من حال سابقيهم، و بعد ان استطاع النميري ان يضمن الهدوء لتسع سنوات اسقطته ثورة شعبية عارمة عُرفت بإنتفاضة ابريل قادها المُشير عبد الرحمن سوار الذهب، وقد اسفرت عن حكومة منتخبة بأكثرية لحزب الامة رئيسها الصادق المهدي حتى انقلاب عمر البشير 1989 الذي قاده بدعم من الجبهة القومية الاسلامية ورئيسها حسن الترابي، ومنذ ذلك الحين تعرض حكم البشير لعدة محاولات إنقلابية الا انه استطاع ترويضها جميعا على مدى العقود الثلاث الماضية مما كفل له اطول مدة حكم في تاريخ البلاد الحديث

ان معظم الدول العربية لم تشهد تطورا طبيعيا هادئاً منذ نشاتها وإستقلالها، حالها حال السودان وان إختلفت الظروف الداخلية لكل منها، لقد ترك المُستعمِر وكما اسلفت سابقا بذور الفتن والتفرقة، ونصًب انظمة حكم تابعة وموالية له، لا هم لها سوى التمسك بالسلطة وارضاء من اوصلها الى كرسي الحكم ولو كان ذلك على حساب الكرامة الوطنية وحقوق الشعب الذي كان هو دائما الضحية التي تدفع الاثمان الباهظة بسبب اطماع المستعمر وخيانة وفساد انظمة الحكم

اما الآن، وكما دأب منذ الاستقلال، استغل الجيش السوداني دعوات المُحتجين والمُعتصمين المُعارضين لنظام البشير بحسم الموقف ضد نظام البشير بإنقلاب اطاحه قام به وزير دفاعه عوض بن عوف، فارضاً حكماً عسكرياً، بدلا من مجلس مدني لإدارة المرحلة الانتقالية، حيث اعلن تعطيل الدستور وإعلان (حالة الطوارىء) ثلاثة اشهر، و الى ما هناك من اجراءات لم تكن بمستوى آمال الشعب الذي عانى ما عاناه منذ الاستقلال من انقلابات عسكرية لم تؤسس لمراحل مستقرة واوضاع سياسية واقتصادية تلبي آمال و احتياجات معظم ابناء السودان، لا بل اضافت الى ويلاتهم ومصائبهم ويلات ومصائب جديدة

اذا وبسبب تصاعد الضغط الشعبي والاصرار على تسليم السلطة الى حكومة مدنية، وخاصة ان من قاد الانقلاب كان واحداً من اركان النظام السابق، هذا ما دفعه الى التنحي وتعيين خلف له هو الفريق اول عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن المفتش العام للجيش السوداني رئيساً للمجلس العسكري، الا ان هذه الخطوة ليست الا محاولة من مهندسي الانقلاب ليستبقوا انقلاباً مضاداً، فهل ارضى هذا الاجراء جموع المحتجين والمعتصمين ؟ ان الوقائع و كما هو حال معظم الشعوب العربية التي انهكتها الصراعات على السلطة وحرمتها من ابسط حقوقها وزادتها بؤساً وفقراً وحرماناً، لا بل اعادتها الى سيطرة المُستعمر الطامع الذي اذاقها الويلات و دفعت الاثمان الباهظة للتخلص من حكمه الظالم، كل هذا يدل على ان هذه الشعوب تواقة الى العيش في ظل انظمة ديمقراطية عادلة وغير تابعة ، تواقة الى العيش بكرامة وطمأنينة و سلام، تنعم بخيراتها و ثرواتها التي حرمت منها، اوليس عاراً ومعيباً ان بلداً غنياً كالسودان بنفطِه ومياهِه وزراعته يظلُ ابناؤه  يُعانون من الجوع والمرض و الفقر؟

ان السبيل الوحيد امام الشعب السوداني هو التوحد حول مطالبه المحقة، وعدم الاستسلام او الرضوخ لتسويات مؤقتة متوقعة من الدول المتورطة في الازمة السودانية سواء الاقليمية او الدولية، و ايضا عليه التخلص من آفات الطائفية البغيضة التي يستغِلها كل طامع، فالتحديات كبيرة وهائلة  اولها تحديد السبل المُناسبة لإستمرار نضاله من اجل هذا التغيير دون الوقوع في فخ الاحتراب الداخلي الذي قد يقود الى تفكك السودان اكثر مما هو عليه الآن وغرقَه في حروب لا تنتهي الا بعد ان يجف نفطه و مياهه و تتصحر اراضيه لتُدفن فيها جُثث ابنائه ومعها احلامهم في وطن مستقر، هانىء، مستقل، قيل عنه يوماً  انه (سلة غذاء العالم)

سعيد توبة

Leave A Reply