العرب ما بين وارسو وسوتشي

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

ارتكزت السياسة العالمية على مبدأ تقاسم مناطق النفوذ والسعي للسيطرة على الدول الغنية بالموارد الطبيعية، فالزيادة السكانية ومتطلبات التطور التكنولوجي أديا الى إزدياد حاجات الدول من المواد الاولية كالنفط والغاز والمعادن وغيرها، هذا بالاضافة الى الثروة المائية التي اصبحت تُضاهي النفط من حيث اهميتها بسبب تضاؤل كمياتها شيئأ فشيئأ نتيجة عوامل الجفاف وشح الامطار والتصحر

بعد انتهاء الحربين العالميتين بدأت مرحلة الحرب الباردة ما بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي عام 1947وانتهت عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وقد شهدت هذه الحقبة توتراً بين القطبين بسبب التنافس والصراع للسيطرة على المناطق الغنية بالنفط والمواد الاولية والمياه وغيرها من موارد طبيعية ضرورية لمتطلبات الصناعة والتطور التكنولوجي.
هذا التوتر ساهم في اندلاع العديد من الحروب في شتى انحاء العالم نتج عنها خسائر بشرية ومادية مكلفة جدا.لكن المفارقة انها لم تكن يوما حروباً مباشرة بين الجبارين الاميركي والسوفياتي، بل كانت حروباً بالوكالة خِيضت عبر الانظمة التابعة لكل منهما من اجل تأمين مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية. كذلك ادت الى انقسام العالم وبالتالي لقيام حلفين دولين، حلف وارسو بقيادة السوفيات وحلف شمال الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية، وانقسمت الدول الاوروبية ما بين هاذين الحلفين، سُميت هذه المرحلة بالثنائية القطبية التي انتهت مع انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات. الامر الذي مكًن الولايات المتحدة الاميركية من لعب دور الشرطي الدولي، فاصبحت هي الآمر الناهي على صعيد السياسة الدولية بحيث يمكن القول انها صادرت بطريقة او اخرى دور منظمة الامم المتحدة التي فقدت دورها الفعال في حل الازمات الدولية بسبب الهيمنة الاميركية المتعاظمة، وبالتالي اُطلق لها العنان للسيطرة على ثروات الشعوب والتدخل في شؤونها دون منافس او منازع.
استمر هذا الوضع على ماهو عليه حتى وصول الرئيس الروسي بوتين الى السلطة عام 2000، حيث بدأت روسيا في عهده تبرز شيئاً فشيئاً كمنافس قوي للولايات المتحدة الاميركية، وخاصة مع تداعيات ازمة القرم و مع بداية الازمة السورية التي كانت الباب الواسع لروسيا لاخذ زمام المبادرة ومنافسة الولايات المتحدة في السيطرة على مناطق النفوذ الاستراتيجية، وهنا بدأت مرحلة الثنائية القطبية تبرز من جديد ولكن بتكتيك مختلف عن المرحلة السابقة بمعنى ان القطبين الاميركي و الروسي وضعا الخطوط الحمراء للسيطرة والهيمنة و اقتسام المصالح من خلال اتفاقات التفاهم (السرية) التي تم التوصل اليها و خاصة في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي.
واليوم يأتي انعقاد مؤتمر وارسو وقمة سوتشي ليُعطي صورة واضحة وجلية للحرب الباردة الدائرة ما بين القطبين الروسي والاميركي. فروسيا ومن خلال انخراطها المباشر العسكري في مسار الازمة السورية تمكنت من اثبات وجودها كقوة دولية لا يمكن تجاهلها من خلال وجودها العسكري الدائم في سوريا. وانها لن تتهاون او تُفرط بمصالحها الحيوية الاستراتيجية، فبعد مرور حوالي 8 سنوات على بدء الازمة السورية وبعد القضاء على القسم الكبير من التنظيمات الارهابية والسيطرة تقريبا على معظم المناطق التي احتلتها تلك التنظيمات، وهنا لا يمكننا ان نتجاهل الدور الايراني الى جانب الحلفاء الذين ساهموا ايضا في تحقيق الانتصارات على الارهابيين. كل هذه الوقائع مهدت لروسيا لقيادة هذا المحور من خلال التنسيق الدائم مع كل من تركيا و ايران فيما يتعلق بالوضع السوري ومستقبل الدولة السورية، حيث ان لكل من تركيا و ايران ايضا مصالح حيوية في سورية تسعى كل منهما و بقوة للدفاع عنها خاصة بعد انتهاء الحرب و بدء ورشة اعادة الاعمار. من هنا جاءت الدعوة لانعقاد قمة سوتشي بين روسيا و تركيا و ايران في 14 فبراير المتعلقة بالتسوية السياسية للازمة السورية.
هنا تبرز تساؤلات عديدة : الم تُساهم تركيا من خلال دعمها للارهابيين عبر فتح حدودها لقوافلهم للعبور الى سوريا لارتكاب المجازر والتخريب و النهب وتدمير الآثار وسرقتها والبنى التحتية في اشعال هذه الحرب الكونية على سوريا؟ الم تقم تركيا بسرقة ونهب المصانع و المعامل في حلب؟ الم تنتهك تركيا السيادة السورية مراراً وتكراراً؟
واليوم وبعد كل ما ارتكبته تركيا من انتهاكات ودعم للارهاب نراها تكافىء بإنضمامها الى جانب ايران في حلف تقوده روسيا، وقد ظهرهذا جلياً في قمة سوتشي, هذا ان دل على شيء انما يدل على ان مصالح الدول والانظمة فوق كل اعتبار انساني. فلِيُقتل الآلاف ولِتُدمر الاوطان وتُنهب ثرواتها وخيراتها، المهم والاهم هو الحفاظ على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.
اما فيما يتعلق بالحلف الآخر واقصد الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها من الدول الاوروبية والعربية، فإن الوضع لا يختلف كثيراً من ناحية سعي الادارة الاميركية لإستثمار ما جرى في سوريا خاصة وقد اثبتت الوقائع وبإعترافات المسؤولين الاميركيين على تورطها في دعم المنظمة الارهابية داعش لا بل اكثر من ذلك وهو اعترافهم الصريح بانها من صنيعتهم.
من هنا جاءت الدعوة الى عقد مؤتمر وارسو في 13 فبراير في بولندا لتُحقق من خلاله الادارة الاميركية رزمة من الاهداف، ابرزها كان دفع عملية التطبيع بين العرب واسرائيل الى مرحلة متقدمة بحيث لم يعد هؤلاء يخجلون من توددهم و علاقاتهم السابقة و المستقبلية مع اسرائيل ، حتى وصل الامر الى ان احد المسؤولين العرب قال بان القضية الفلسطينية لم تعد من الاولويات، وهنا تبرز اهمية صفقة القرن التي تسعى الادارة الاميركية الى ابرامها كرمى لعيون اسرائيل وليس العرب. اضف الى سعيها الدائم الى ابراز ايران كدولة مارقة وارهابية وان على العرب ان يتعاملوا معها كدولة عدوة يجب مواجهتها، وإعتبار اسرائيل دولة صديقة تشاركهم العداء لهذه الدولة. و الواقع انها نجحت بهذا الاتجاه والدليل هو مواقف الدول العربية التابعة والتي سِيقت الى هذا المؤتمر. كذلك ارادت الولايات المتحدة الاميركية من خلاله فرض تسلُطها على الدول الاوروبية والامعان في شرذمتها وإضعافها حيث اصبح حالُ انظمتها كحال الانظمة العربية الخانعة والخاضعة لاوامر الولايات المتحدة الاميركية.
ما يهمنا هنا هو التأمل قليلا في الواقع المرير الذي وصل اليه العرب حيث لم يعد للكرامة مكان في قاموسهم السياسي، فهم وبرأيي المتواضع سواء اكانوا في المحور الروسي او المحور الاميركي قد فقدوا قرارهم في ادارة شؤون اوطانهم اصبحوا مجرد مُتلقين للاوامر والتعليمات من السيد الاميركي والروسي .هذا هو الواقع شِئنا هذا ام أبينا، انظمة حكم فاسدة لا همَ لها سوى التمسك بالحكم ونهب الاموال وثروات الدولة والاذعان المطلق للخارج، يضاف الى ذلك تخلف المجتمعات العربية المتناحرة والمُشرذمة ما بين الولاء للزعيم والعائلة والدين والاحزاب السياسية المهترئة وغيرها.
انه زمن الانحطاط العربي، لقد فقد العرب امجادهم التي حققها الاجداد على مر التاريخ. فعادوا كما كان هو الحال في زمن الجاهلية وللاسف، قبائلاً متناحرة تتقاتل فيما بينها للسيطرة على المغانم و الاراضي وواحات المياه، اقول هذا وفي القلب حسرة وألم، خاصة بعد ان شاهدنا هرولة هؤلاء الى وارسو تلبية لاوامر السيد الاميركي وحليفه الاستراتيجي اسرائيل، التي عاجلاً ام آجلاً سوف نرى اعلامها تُرفرف عالياً في سماء دولهم.
خِتاماً، نتساءل لماذا يتخلى العرب عن قيمهم و كرامتهم، فهم يملكون تاريخاً عريقاً، وثقافة عظيمة، وتنوعاً غنياً، وطاقات بشرية ضخمة وثروات طبيعية هائلة ؟
لماذا لم يستغل العرب كل هذه الامكانيات ليتوحدوا ويحافظوا على هذا الارث العظيم و هم ان فعلوا لحكموا العالم بأسره؟

Share.

Leave A Reply