الجنوب في عيون إيطالية

كثير منا من اجبرته ظروف الحياة ان يترك وطنه، الارض التي ولد فيها، وعاش طفولته وصباه وشبابه في ربوعها، فأحبها وعشق ترابها وجبالها وبحرها ونهرها وسماءها، كيف لا وهي ارض الاجداد والآباء، ارض الذكريات الجميلة التي لا تُنسى، وكم منا من أُثلج صدره و سُر قلبه و فرحت عيناه وهو في غربته الموحشة عندما رأى مشهدا طبيعيا يذكره بوطنه، فيشعل في داخله احاسيس الشوق والحنين،ويمنحه متعة التأمل والغوص في بحر الذكريات الجميلة، فيخفف عليه وجع الفراق، والم البعد، ولوعة الحرمان من حضن الوطن الدافىء.

الجنرال ستيفانو ديل كول القائد العام لقوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان الآتي من ايطاليا، هذه الدولة الجميلة التي تتشارك ولبنان البحر الواحد، وتتشابهان في العادات والتقاليد، هو واحد من هؤلاء، الذي وبالرغم من بُعده عن وطنه لم يشعر بلوعة الفراق والم الشوق، ليس لانه لا يملك الحس الوطني والشعور بالانتماء الى الارض التي ولد فيها، لا بل لان الوطن الذي شاء القدر ان يأتي اليه لظروف العمل لديه الكثير من اوجه التشابه مع وطنه الام، مما يجعله يشعر وكأنه لا يزال يعيش على ترابه المقدس وتحت سماءه الزرقاء التي ينعكس جمالها الآخاذ على بحره الابيض المتوسط.

هكذا هو الجنوب في عيون وقلب هذا الجنرال الايطالي الذي يصفه وكـأنه قطعة جميلة من الريف الايطالي، حيث يقول وفي مقابلة مع جريدة “الاخبار” اللبنانية، ان البحر هنا يُشعره بأنه ليس بعيدا عن بيته، “أحس اني اذا طرقت إصبعي في الماء هنا، فإن ارتدادات الطرق تتشكل امواجاً على شواطىء إيطاليا، نحن متشابهون كثيرا”، كم هو جميل هذا الوصف للتعبير عن المشاعر و الاحاسيس الرقيقة والمرهفة من قائد عسكري تجاه البلد الذي اتى اليه بحكم وظيفته، فعاش فيه و امضى السنوات الطوال في ربوعه فأحبه كما يحب وطنه.

تجدر الاشارة الى ان الجنرال ستيفانو ديل كول قد تسلم مهامه كقائد  ل “اليونيفيل” في آب 2018 خلفا للجنرال الايرلندي مايكل بيري، وهو القائد 14 ل “اليونيفيل”، وقد ولد عام 1961، نال درجة البكالوريوس في العلوم الإستراتيجية وعلى درجة البكالوريوس (مع درجة تميّز) في العلاقات الدولية والعلوم الدبلوماسية من جامعة تريست. وهو حائز أيضا على ماجستير في العلوم الإستراتيجية من جامعة تورينو ودرجة الماجستير في الدراسات العسكرية الدولية من جامعة ميلانو.

وفي السيرة الذاتية لهذا الجنرال الإيطالي أنه شغل رئيس قسم المشاريع الخاصة في الجيش الإيطالي، وكذلك رئاسة قسم تخطيط قوات حلف شمالي الأطلسي وكان مسؤول ارتباط بين الجيشين الإيطالي والبريطاني.

وشغل بين عامي 2009 و2011 منصب رئيس فرع السياسات الإستراتيجية والعمليات في مقر قيادة الدفاع في روما. ومنذ عام 2015، شغل اللواء دل كول منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء في وزارة الدفاع. وبحسب السيرة الذاتية التي وزّعتها الأمم المتحدة أن لدى الجنرال الجديد خبرة عملية واسعة بما في ذلك في كوسوفو ولبنان وليبيا، فهو خدم في صفوف “اليونيفيل” عام 2008 قائدا لكتيبة، وكان بين عامي 2014 و2015 قائدا للقطاع الغربي وقائدا للوحدة الإيطالية.

و مما قاله في احتفال استلامه لمهامه الجديدة “بالنسبة لي الامر يشبه العودة الى الديار، و أتمنى أن نخدم هذه المهمة في سلام”.

لا شك ان ما تتعرض له الامم المتحدة من ضغوط اميركية كبيرة يؤثر سلبا على عملها وعلى آداء موظفيها سواء اكانوا مدنيين اوعسكريين، وما تعرضت اليه ولا تزال “اليونيفيل” من تدخلات اميركية وضغوط وابتزازات اسرائيلية وصلت الى حد اعطاء الاوامر والتعليمات لها لتقوم بمهامها على نحو يخدم المصالح الاسرائيلية على حساب سيادة لبنان وإستقلاله، و من شأن هذا ان يرتب اعباء و مسؤوليات كبيرة على قائد اليونيفيل لمواجهة هكذا ضغوط و تدخلات تتعارض مع المهام الانسانية التي من اجلها تم تأسيس هذه القوات الدولية، والجنرال ديل كول يختلف عن غيره من القادة لجهة معرفته بالواقع على الارض عن كثب، لخدمته في القطاع الشرقي سابقاً، حيث إن القادة الاخرين كانوا يأتون بسقوف مرتفعة محاولين فرض المصلحة الاسرائيلية على اهل الجنوب، إلا ان هذا الجنرال الايطالي يعمل بالعكس، و هو يحاول بناء الواقع شيئاً فشيئاً، و لا بد من الاشارة الى ان أداؤه في ملف الانفاق كان مهنياً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو كم سيصمد امام الضغوط الاميركية و الاسرائيلية؟

ختاماً اتمنى ان لا ترضخ  اليونيفيل الى المزيد من الضغوط والتدخلات الاميركية والاسرائيلية، و ان تقوم بمهامها الانسانية التي من اجلها تأسست منظمة الامم المتحدة، فلقد حان الآوان لكي تستعيد هذه المنظمة دورها وفعاليتها، وان تخرج من دائرة التبعية والهيمنة الاميركية التي اصبحت تهدد الامن والسلام الدوليين، كما اتمنى لهذا الجنرال الايطالي الذي احب الجنوب كما يحب ايطاليا ان يوفق في مهامه التي تتعاظم تعقيداتها يوما بعد يوم بسبب التعنت والتدخل الاسرائيلي السافر.

                                                                                       سعيد توبة