السائح المجرم

يوما بعد يوم تُثبت مقولة ان المخدرات والجريمة فعلان متلازمان صحتها وبالادلة الدامغة، ففي خلال السنوات الاخيرة وبعد انتشار ظاهرة المخدرات عالمياً وسوء الاستعمال المُفرط والزائد عن الحد لها، يتضح وبشكل جلي ان ثمة جرائم تحدث قبل التعاطي وجرائم اخرى تحدث بعده، وفي كلتا الحاليتين يكون الضحية اشخاص ابرياء لا ذنب لهم، وهم بالتأكيد ليسوا من المروجين لهذا السم القاتل ولا من المتعاطين له. انه فعل الشيطان الذي اصبح يسيطرعلى الانسان فحوله الى كائن شرير وحاقد لا يتوانى عن قتل اخاه في الانسانية من اجل اشباع نزواته ورغباته الحيوانية.
كم هو مُؤلم  ان تنتهي حياة انسان طيب خلوق مُحب لعمل الخير والتطوع لخدمة الناس والانسانية على ايدي قتلة مجرمين تجردوا من انسانيتهم واصبحوا كالوحوش الكاسرة التي لا ترحم، همهم فقط إشباع نزواتهم الفاسدة وادمانهم القاتل على تعاطي المخدرات، والذي اصبح يشكل خطرا كبيرا على المجتمعات البشرية يوازي الاخطار الناجمة عن الارهاب والحروب المدمرة.
وها هم بعض من هؤلاء وهم كُثر قد ارتكب جريمة قتل بشعة بحق الضابط في الدرك الايطالي ماريو شيرشيلو ريغا الذي يشهد له الجميع بمناقبيته وحُبه لعمل الخير ومساعدة الفقراء والمساكين، لقد خسرهذا الشاب الضابط حياته غدرا وهو في بداية ولوج لحياة سعيدة مع زوجته الثكلى، اوليس مؤلما وموجعا ان تُدمر حياة انسان بكاملها وتحزن وتُدمى قلوب المحبين  من اجل ان يُشبع البعض من المتعاطين لهذه المادة السم  من نهمهم لها ، الى متى سيظل من يُصنع ويروج هذه الآفة القاتلة بمنأى عن الملاحقة والمحاسبة، لا احد يستطيع ان ينكر ان هؤلاء  الذين يجمعون الاموال الطائلة من تجارة المخدرات يتمتعون ويحظون بحماية ورعاية البعض في اجهزة الدول مقابل الحصول على الاموال وغيرها من المكافآت والهدايا النفيسة.
ان هاذين المجرمين الذين طعنا حتى الموت ذلك الشاب الشرطي الطيب الخلوق المتطوع لعمل الخير، انما طعنا كل واحد منا وادميا قلوبنا الماً وحزناً، وفعلهما الشنيع اشعل فينا غضبا وقهرا وسخطاً من تلك القوانين المُجحفة التي تُكبل عمل من يسهرون على حماية المواطن وسلامته حيث تُحرمهم من امكانية الدفاع عن انفسهم، وبالتالي تُجنبهم قدر الامكان التعرض للغدر القاتل كما حصل مع هذا الضابط الشاب.
اما وقد تم توقيف من ارتكب هذه الجريمة وتم التعرف على هويته  فإننا نتساءل لماذا سارع البعض الى اطلاق التهم جزافاً قبل الانتهاء من التحقيق او معرفة من هو المرتكب الحقيقي لهذه الجريمة النكراء، والتي تبين وبعد اعتراف احد المتهمين بانهما سائحين اميركيين، اليس من الظلم بمكان التسرع بإلصاق تهمة إرتكاب الجريمة لاشخاص ذو اصول افريقية عربية لمجرد ان البعض من المهاجرين من تلك الاصول له سوابق في مخالفة القوانين وارتكاب الجنح والجرائم؟ وايضا نتساءل لماذا وبعد الكشف عن جنسية القتلة الحقيقيين تراجع البعض عن اطلاق وعيده وتهديداته بإنزال اشد العقوبات بمرتكبي هذه الجريمة، حتى ان البعض نراه وقد التزم الصمت وبشكل مفاجىء بعد ان علم ان القتلة هما سائحين اميريكين، وكأنه يحق لهؤلاء الاميريكيين ان يقتلوا ويدمروا الشعوب كيفما ارادوا وفي اية بقعة من الكرة الارضية دون ان توجه اليهم اية مساءلة اوحتى مجرد انتقاد بالحد الاقصى، الم يكفي ما افتعلته الادارة الاميركية من ازمات للدول الاوروبية عبر توريطها في الصراعات الدولية، وتسهيل غزوها بالآلاف من التكفيريين الارهابيين الذين وبإعتراف الاميركيين انفسهم انهم هم من خلق ومول ودعم تلك الجماعات الارهابية التي تغللت في المجتمعات الاوروبية وارتكبت الكثير من الجرائم والاعمال الارهابية التي زعزت استقرار الامن الاوروبي ولا تزال تشكل تهديدا يوميا وهاجسا مُخيفا يعيشه المواطن الاوروبي بصورة دائمة، مما اقلق عيشه وسبب له الكثير من الآثار السلبية التي كلفته وتكلفه اثمان باهظة لم يعد بإستطاعته ان يتحمل اوزارها.
ان هذه الجريمة الوحشية  يجب ان تكون مثالا لاخذ العبر وإستخلاص الدروس وسن قوانين جديدة تحمي المجتمع والمواطن وايضا رجال الشرطة والدرك الذين يجب ان يُمنحوا كل الصلاحيات التي من شأنها ان تُؤمن امن المواطن وكذلك تحميهم اثناء القيام بواجبهم الوطني.
إحتراما لدماء هذا الشرطي الشاب الذكية، الذي جسد بأعماله الطيبة كل معاني الانسانية الخيرة، يجب ان لا يذهب دمه الطاهر هدرا، بل لا بد و كما اسلفت من اتخاذ اجراءات وسن قوانين جديدة لحماية رفاقه الحريصين على حماية المواطن، وايضا يجب انزال اشد العقوبات بالقتلة وعدم التهاون او الخضوع للضغوط السياسية، وهي بدأت منذ اللحظة الاولى التي تم الافصاح فيها عن هوية مرتكبي الجريمة، وجميعنا قرأ وسمع الانتقادات الكثيرة حول ظهور القاتل معصوب العينيين وكيفية توقيفه وغيرها من التدخلات التي ما كانت لتحصل لو انه كان فعلا من اصول افريقية اوعربية اوغيرها، لكنه وللاسف ينتمي الى دولة اجازت لنفسها القيام باعمال الاعتداء والقتل و التدمير بحجة محاربة الارهاب الذي هو من صنيعتها.
ختاما وانطلاقا من الحس الانساني نشجب وندين هذه الجريمة الشنعاء ونتقدم الى الشعب الايطالي الشقيق بأحر التعازي لفقدان هذا الشاب البريء، وايضا نتقدم من زوجته الثكلى وعائلته الكريمة بأحر التعازي القلبية متمنين من الله ان يُلهمهم الصبر والسلوان بهذا المصاب الجلل.
سعيد توبة

28/7/2019