الشعب استيقظ وآن اوان محاسبتكم

يتعجب المرء امام انكشاف هذا الكم الهائل من فضائح الطبقة السياسية الفاسدة من صبر وصمت المواطن اللبناني طيلة هذه السنوات وتحمله خداع وتآمر وظلم واستغباء حكامه له، الذين من المفترض والواجب  ان يكونوا وبموجب الوكالة التي منحهم اياها بمثابة موظفين يعملون على تحقيق وتامين الحياة الكريمة اللائقة والعادلة لجميع ابنائه ويسهرون على حمايته، ورفع الغبن عنه وصون حريته التي كرسها الدستور والقوانين المرعية.

من الصعب جدا ان نفهم او نحدد ما هو سر هذا الصبر والسكوت طوال هذه السنوات على هذا الاستغباء وخداع الطبقة الحاكمة وتسلطها على رقاب شعبها لا بل حرمانه من ابسط حقوقه التي اصبحت  تتمتع بها ومنذ عقود من الزمن قبائل غابات  الامازون وغيرها من المجتمعات . اوليس من المعيب والعار في هذه الحقبة المتقدمة من تاريخ الامم  ان يجبرالمواطن اللبناني الذي شبع تمجيدا بتاريخه الطويل وحضارته العظيمة وعنفوانه الصلب وجماله الساحر على الخروج عن طوره ليفترش الشوارع والساحات ويقطع الطرقات ويتعارك مع اخوته في الوطن ويصطدم مع جيشه وقواه الامنية من اجل ان يعبر ويصرخ عاليا من شدة قهره والمه وسخطه وغضبه مطالبا بالحصول على الحد الادنى من المطالب البديهية من كهرباء و مياه وطبابة وبيئة نظيفة وفرص عمل وعدالة اجتماعية وغيرها من الامور الحياتية الاساسية؟ اوليس من الظلم ان تتغاضى  الطبقة السياسية عن  ما يعانيه هذا المواطن من قهر والم وضيق، وتتركه وحيدا تلتهمه وحوش الفساد ومصاصي الدماء وحيتان المال؟ اتعجب من هؤلاء الذين ازعجهم ما يقوم به هذا الشعب المنتفض الموجوع من تحركات احتجاجية واعتصامات وحتى اقفال بعض الطرق، اتعجب من غضبهم وانزعاجهم ورفضهم لهذه الثورة البيضاء وكأن كل مصائبنا و كوارثنا التي نعاني منها طوال هذه العقود سببها هذا الحراك الازعر المتآمر العميل المرتهن للسفارات، ترى هل نسوا او بالاحرى تناسوا من هو المذنب الحقيقي الذي اوصل الاوضاع الى ما هي عليه اليوم؟  واخاطبهم هل كانت احوالكم واشغالكم  ومشاريعكم تسير على اتم ما يرام قبل 17 تشرين اول؟ هل كانت جميع مرافق دولتكم الكريمة  تعمل بانتظام وعدل واستقامة و نزاهة؟ هل كانت طرقاتكم آمنة ومياهكم مؤمنة نظيفة ومعامل كهربائكم تعمل ليل نهار دون انقطاع؟ هل كانت بناكم التحتية  مصانة وقادرة على تلبية الازدياد السكاني اضافة الى الاعداد الهائلة من النازحين من كل صوب وحدب؟ هل كان نوابكم و وزرائكم يعملون ليل نهار ويسهرون على رعايتكم ورفاهيتكم بكل شفافية وصدق؟ هل كانت بيئتكم نظيفة تضاهي بيئة سنغافورة  حتى جاء هذا الحراك القذر ليدنسها بروائح دواليب ثورته السوداء، ومخلفاته التي ملأت جوانب الطرق والساحات ؟ هل كان اولادكم بمأمن من رفاق السوء و تجار المخدرات وشاربي الخمور ومرتكبي الاعمال المخلة بالاخلاق والنظام، واتت هذه الثورة لتنشر الفسق والعربدة في ربوع هذا الوطن لتحول فلذات اكبادكم الى مدمني مخدرات ومتعاطي الحبوب و شاربي خمور وغيرها؟ انسينا كيف اصبحت مجتمعاتنا قبل الحراك وانطلاق الثورة سوقا مزدهرة للمخدرات ومرتعا للمافيات والعصابات التي لولا دعم بعض من هم في هذه السلطة الفاسدة لها ما كان ليكتب لها هذه النجاح والازدهار وبالتالي تكديس هذه الثروات الهائلة و تقاسمها مع ارباب السلطة على حساب صحة ومستقبل اولادكم؟ هل كنا جميعنا نعيش في ظل نظام ديمقراطي حضاري عادل يتساوى فيه المواطنون بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والحزبية؟ هل كنتم تنعمون بدولة شعارها الكفاءة والجدارة وان الرجل المناسب في المكان المناسب، ام كنتم مجرد قطعان خانعة لقوانين المحاصصة والمحسوبية والاستزلام التي يستفيد منها قلة من الناس واغلبهم من حاشية الزعيم وازلامه الذين يشكلون خط الدفاع والهجوم الاول له امام اية محاولة للانتقاد او حتى المساءلة من قبل القضاء، والامثلة لا تعد ولا تحصى على تمرد لا بل الاهانة التي تعرض ويتعرض اليها القضاء من قبل ارباب السطلة الفاسدة الذين يرفضون التجاوب مع دعوة المدعي العام المالي لمساءلتهم فقط، وشهدنا مؤخرا كيف حاول رئيس الوزراء الاسبق فؤاد السنيورة  التمنع من الحضور الى مكتب المدعي العام المالي للاستماع الى افادته في قضية اختفاء 11 مليار دولارمن اموال الدولة، لكنه وبفضل ضغط الشارع تراجع عن تمنعه ولبى دعوة المدعي العام المالي لكن بصفة مستمع اليه على حد تعبيره، وهذا ان دل على شيء انما يدل على مكابرة و تعالي هذه الطغمة الفاسدة التي انتهكت جميع القوانين و نهبت المال العام وافقرت المواطن وتدعي بكل وقاحة انها بعيدة كل البعد عن الشبهات و ان كل ما يقال بحقها يصب في خانة الحرب السياسية.

من المعيب ان نظل  نتمسك بتركيبة نظام طائفي لم ولن يؤسس لبناء وطن حقيقي، لا بل على العكس تماما فمنذ ميثاق 43 مرورا باتفاق الطائف 1989 وصولا الى اتفاقية الدوحة 2008 ناهيك عن العديد من الاتفاقيات والتسويات التي وقعت بين افرقاء الوطن الواحد لكنها جميعها لم تبن وطنا واحدا لجميع ابنائه ينضوون تحت رايته وينعمون فيه بحقوق المواطنة على اختلاف  انتماءاتهم وطوائفهم، ربما ساهمت هذه التسويات في التوصل الى تهدئات مؤقتة  لكنها بالتأكيد فشلت فشلا ذريعا في بناء وطن المواطن والسبب اننا لا زلنا نتمسك بولاءاتنا الطائفية والمذهبية والحزبية، ونسير كقطعان الماعز خلف الزعيم الذي نفديه بارواحنا ودماءنا بينما هو يكدس الاموال والثروات له ولاولاد اولاده بينما نحن نغرق في بحر المآسي والمصائب و الديون  وانعدام سبل العيش الكريم.

بالله عليكم واستحلفكم عذرا هل من المقبول ان نظل نحيا حياة ذل وقهر وحرمان كالتي عشناها ونعيشها كل يوم ؟ الم نتشارك جميعنا سواء اكنا مع هذه الثورة او ضدها وسموها ما شئتم فورة، حراك، انتفاضة، احتجاج، التسميات لا تغير من الواقع شيئا، ولا زلنا نتشارك جميعنا الالم ذاته ، القهر ذاته ، الفقر ذاته ، الحرمان ذاته، الذل ذاته؟ الا يستدعي منا ما وصلت اليه احوالنا وامام هذا الكم الهائل من فضائح هذه الطغمة الفاسدة التي اساءت الى كل واحد من ابناء هذا الوطن وبدرجات متفاوتة، وامام هذا الاستخفاف بنا والتآمر على حقوقنا ومستقبلنا ومستقبل اولادنا  ان نجلس جميعنا لنتحاور ونتناقش بوعي وروية لنتوصل معا الى وضع اسس جديدة لاعادة بناء وطننا لبنان تكون قاعدتها الاساسية العدالة الاجتماعية والغاء الطائفية السياسية من النفوس والنصوص واعتماد قوانين عصرية تواكب التطور الذي نعيشه و تحاكي احلام الاجيال الصاعدة التي شئنا ام ابينا هي التي ستمسك زمام الامور و تتسلم دفة القيادة عاجلا ام آجلا.

ان هذا الحراك الوطني الشعبي و بالرغم من كل ما قيل عنه و بالرغم من محاولة الكثيرين استغلاله واستثماره و بالرغم من كل السلبيات التي رافقته منذ انطلاقته، وبالرغم من المواقف المستغربة التي تصدر من بعض رموزه، وبالرغم  من نقمة بقية الوطن عليه، فانه يعتبر الفرصة التاريخية الاخيرة لنا التي لن تتكرر ابدا ،اما ان نعبر بعد هذا المخاض الى رحاب الوطن الحقيقي الذي ينشده كل فرد يطمح للعيش حياة كريمة، واما ان نستسلم لقدرنا هذا ونظل نحيا في هذه الغابة الموحشة كبيرنا يأكل صغيرنا ، نتآمر على بعضنا، نتصارع على خيرات وطننا، نتحالف مع اعداء وطننا لنستقوي على بعضنا، نُشرع ابواب وطننا لكل طامع ومعتدي، تتحكم فينا انانياتنا الطائفية والمذهبية والحزبية، يتقاذفنا زعمائنا يمينا ويسارا في معاركهم الوهمية ، نتعارك ونتخاصم ونتبارز من اجلهم ، نحرم انفسنا واولادنا من كل شيء حتى ينعم هؤلاء واولادهم واحفادهم بحياة كريمة سعيدة هانئة مترفة،  نفديهم بارواحنا ودماءنا وكل ما نملك حتى لا يصيبهم مكروه اواذى لانهم وحدهم من يستحق الحياة، اما نحن فيجب ان نظل وقودا يتدفأ بنارها ارباب هذه السلطة الظالمة.

خلاصنا بوحدتنا الوطنية، وهذه الوحدة لا يجب ان تكون مجرد مصالحة تجري بين الحين والاخر ، وهي ليست مصافحة تحجب جمر الحزازات برماد التجاهل و التساهل،  وهي ليست فقط توزيعا عادلا لمناصب الدولة ووظائفها بين الطوائف، وهي ليست فقط هدنة مؤقتة بين اللبنانيين المختلفين المنقسمين على هوية وطنهم ، وهي ليست في اجتماع ممثلي الطوائف حول طاولة او مائدة حوار، وليست ايضا اشتراك ممثلي الطوائف في الحكم ، انما الوحدة الوطنية الحقيقية كما نفهمها و كما نريدها هي ان نصبح جميعنا نحن ابناء هذا الوطن مواطنين حقيقيين وليس مجرد افراد ينظرون الى وطنهم من خلال انتمائهم الطائفي والمذهبي والحزبي.

ان الوحدة الوطنية تتجلى عندما يصبح كل لبناني على اختلاف انتماءاته ومناطقه متمتعا بمتطلبات حياة المواطن الحقيقي ، وان يكون الحكم قائم على علم الادارة الحديثة وعلى اعتباره وسيلة لتطبيق برنامج اصلاحي اجتماعي و هذا ما نحن بامس الحاجة اليه حاليا، لا ان يكون مجرد مناصب ووجاهات و زعامات فارغة، هذه هي الدولة التي نبتغيها ونطمح اليها ،التي تعتمد العلم والمنطق والكفاءة والعدالة وروح التطور اساسا و اسلوبا لسيرها و ديمومتها.

ختاما نقول متى وجدت هذه الدولة وجد لبنان الذي نحلم  به جميعا، لبنان الخير والحرية والعدالة ، وهذا هو طريق خلاصنا وعبورنا الى وطن الانسان، وليعلم الجميع ان لبنان لن يصبح وطنا بالمعنى الكامل والعميق للكلمة، الا عندما يؤمن به جميع ابنائه، فهل نحن فعلا اثبتنا ذلك ام على العكس تماما؟ ولقد سئل احدهم : ما الذي ينقص دولتنا لتصبح دولة ؟ رد قائلا: “ينقصها مواطنون!”

 

                                                سعيد توبة

7/11/2019