الشعب الاميركي وادارته المتعجرفة

“ان البشر جميعا متساوون واحرار وغير تابعين ويتمتعون بالحقوق الذاتية والفطرية. ولا يمكن حرمان الاجيال القادمة من هذه الحقوق عبر اي من الاتفاقيات والقرارات سواء بالحرمان من التمتع بالحياة والحريات او الحرمان من حيازة الملكية والتمتع بالسعادة والامن.”

هذا ما تتضمنته ” لائحة فرجينيا للحقوق” في 12 حزيران عام 1776، وهي تعد اول سند تنص مواده على حقوق الفرد والحريات الفردية وحقوق الانسان، وايضا هي تشكل اهم وثيقة في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، اذ هي تعتبر تاريخ ميلاد بلاد العم سام، حيث اعلن بها رسميا الاستقلال عن المستعمر البريطاني، وعرض مجموعة من الحقوق تركز على المساواة والحرية لجميع الناس، وهي صدرت بعد تمرد مجموعة من المستعمرات كانت خاضعة لبريطانيا على طول الساحل الشرقي للمحيط الاطلسي لما يسمى حاليا الولايات المتحدة الاميركية، وذلك بسبب عدم تمثيلها داخل البرلمان البريطاني، وزيادة الضرائب عليها، وخاضت حربا ضد بريطانيا في ما يعرف بالحرب الثورية الاميركية عام 1775 وتمكنت تلك المستعمرات من الانتصار، ثم تبنت تلك المجموعة إعلان الاستقلال عن التاج البريطاني في الرابع من تموز 1776.

ان شعبا يملك هذا الارث الكبير في مقاومة المستعمر والثورة عليه ومن ثم حصوله على  استقلاله بعد كفاح طويل ومرير، وتضحيات جسام وخوض  العديد من الحروب المكلفة، لا يمكن الا ان يكون مثالا يُحتذى به في النضال من اجل الحرية والاستقلال، ومنارة يستلهم من نورها  احرار العالم ، ومدرسة في الوطنية يغرف من معينها  كل مقاوم حر يقاتل من اجل ان يحرر ارضه ويحمي شعبه من كل مستعمر طامع، هذا ما كان يجب ان يكون عليه المسار التاريخي لهذه الامة الاميركية وخاصة بعد ان نالت استقلالها واستعادت كرامتها من المستعمر البريطاني في الرابع من تموز 1776، غير ان الوقائع التاريخية والسلوك السياسي للحكومات الاميركية التي انبثقت من رحم هذا الشعب (المقاوم والثوري) اثبتت ولا تزال تثبت الى يومنا  ان من تغنى ويتغنى دائما  بمبادىء حقوق الانسان والحرية والديمقراطية وغيرها من القيم الانسانية كان من اوائل الذين انتهكوا هذه المبادىء وضربوا بها بعرض الحائط، واعتدواعلى سيادة وكرامة الشعوب ، وعملوا على خلق الفتن والنزاعات سواء بين ابناء الوطن الواحد او بين الدول وذلك على قاعدة فرق تسد، لا بل كان اول من  لجأ الى استعمال اسلحة الدمار الشامل خلال الحرب العالمية الثانية في عام 1945 عندما القت الطائرات الاميركية القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، حيث  تسببت بمجزرة انسانية رهيبة لا تزال تداعياتها وآثارها حاضرة الى يومنا هذا، ناهيك عما سببته من اذى وضرر كبير بحق القيم الانسانية و الحضارية.

لقد اتسمت السياسة الخارجية الاميركية ومنذ دخولها المعترك الدولي العالمي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية  بدور الشرطي الدولي الذي يريد ان يفرض قوانينه الخاصة على غيره من الدول بهدف بسط نفوذه وهيمنته التي تتيح له السيطرة على ثروات ومقدرات الشعوب، ولا سيما النفط الذي اصبح عصب الاقتصاد العالمي وكان السبب الرئيسي ولا يزال لاندلاع الكثير من الحروب والنزاعات في مختلف انحاء العالم والتي كان للادارات الاميركية المتعاقبة الدور الاساسي في اشعالها وخوضها مباشرة، ومن اهمها حروبها في فييتنام وكوريا والفليبين وكوسوفو والصومال وافغانستان والعراق وصولا الى حربها الغير معلنة مع دول محور المقاومة والممانعة، التي بدأت تتحول الى حرب حقيقية وخاصة بعد التصعيد الاخير في العراق على اثر الغارة الاميركية التي استهدفت احد اهم قادة هذا المحور الدولي القائد الاممي الشهيد قاسم سليماني و القائد ابو مهدي المهندس، وما اعقب هذا الاغتيال من رد صاروخي ايراني استهدف احد اهم القواعد العسكرية الاميركية في العراق والذي ادخل منطقة الشرق الاوسط في معادلة جديدة تغيرت فيها قواعد اللعبة وموازينها .

ان الحديث عما ارتكبته السياسات الاميركية الخارجية من انتهاكات لابسط مبادىء القانون الدولي يطول ويطول، ولا مجال لتعداد هذه الممارسات المخالفة والغير قانونية لكثرتها  التي شملت معظم انحاء العالم، سواء في دول اميركا اللاتينية او الشرق الاقصى او حتى في القارة الاوروبية، وجميعنا يعي اهمية الدور الاميركي في اضعاف الاتحاد الاوروبي وضرب اقتصاده، وجعل حكوماته مجرد دمى تأتمر بما تمليه عليه الادارة الاميركية، ولعل مساهمتها الفعالة في  غزو الارهاب للدول الاوروبية وتسهيل دخول من يحمل هذا الفكر الجهنمي اليها لخير دليل على تورط الادارة الاميركية في خلق هذا الوحش الارهابي، وهذا اكده المسؤولين الاميركين الذين اعترفوا بانهم هم من كان وراء تشكيل هذه الجيوش الارهابية التي غزت العالم وارتكبت المجازر وقامت بهدم وتخريب الآثار التاريخية الحضارية في كثير من الدول وخاصة في منطقة الشرق الاوسط.

مما يثير الدهشة والعجب ان امة  قامت على اسس من الديمقراطية و احترام حقوق الانسان و تقديس الحرية والمساواة ان يتحول من يدير سياساتها الخارجية وعلاقاتها مع المجتمع الدولي الى مجرد راعي للارهاب وداعم له وممول لعملياته، وايضا حليفا لكيان مغتصب عنيت به اسرائيل و مدافع شرس عما ارتكبته وترتكبه من مجازر واحتلال ومصادرة اراض وحقوق للشعوب العربية، وهنا نتساءل وامام هذا التحالف الاستراتيجي القوي بين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل كيف يمكن لشعب عريق بديمقراطيته ونضاله ومقاومته من اجل التحرر من نير المستعمر واستقلاله بأن يظل صامتا لا بل راضيا على هذا المنحى الذي تنتهجه ادارته في سياستها الخارجية والذي يتناقض وبصورة مطلقة مع  تطلعاته وايمانه بالقيم الانسانية والحضارية، الا يعد ما ارتكبه هذا الكيان الغاصب ولا يزال الى وقتنا الحاضر من اعمال قتل وارهاب واحتلال مخالف لابسط الحقوق التي تضمنتها “لائحة فرجينيا للحقوق” والتي كانت الاساس الذي بنيت عليه الامة الاميركية؟

مما لا شك فيه ان الادارة الاميركية الحالية وعلى رأسها دونالد ترامب تمثل ذروة التناقض والتعارض مع ما قامت عليه الامة الاميركية من مبادئ و قيم ديمقراطية وحضارية وذلك بسبب السياسة الخارجية التي تنتهجها ادارة ترامب القائمة على استخدام القوة والترهيب من اجل بسط هيمنتها على الدول و نهب خيراتها واذلال شعوبها، اذ كيف يمكن لاحد ان يدعي انه  ديمقراطيا و مدافعا عن حقوق الانسان وهو في الوقت نفسه يقوم باحتلال وانتهاك سيادة الاخرين و يعمل على بث الفتن بين ابناء الوطن الواحد؟ لا بل كيف يمكن لمن ينادي بالحرية و المساواة ان يكون هو نفسه الراعي والحامي للارهابيين اعداء الانسانية؟ كيف يمكن لمن كافح من اجل ان تسود  قيم الديمقراطية في امته ان يكون حاميا لانظمة دكتاتورية ظالمة ويعمل على حمايتها وضرب كل حركات التحرر التي تطالب بالعدل والمساواة والحرية لشعوبها كما سعت الثورة الاميركية و حركاتها ايام الاستعمار البريطاني؟

امام ما ترتكبه ادارة ترامب من تجاوزات وانتهاكات لكرامات الشعوب واهانات لمقدساتهم وسطو على مقدراتهم وثرواتهم وكسر ارادتهم في التحرر والتخلص من انظمتهم الرجعية، ايضا نتساءل الى متى ستبقى هذه السياسة تعربد وتضرب بعرض الحائط كل القوانين الدولية دون حسيب او رقيب؟ الم يحن للشعب الاميركي ان يعي بان العداء المتزايد الذي يواجهه من الكثير من شعوب العالم انما سببه هو سياسة التعجرف والتعالي والغطرسة التي اصبحت هي من سمات الادارة الاميركية ؟ من الظلم بمكان ان نحمل معظم فئات الشعب الاميركي مسؤولية ما ارتكبته الادارات الاميركية المتعاقبة وخاصة الحالية المتمثلة بترامب، اذ ان هناك الكثير ممن يعارضون ما يقوم به من مخالفات وارتكابات تنعكس مخاطرها على الشعب الاميركي قبل غيره. والامثلة كثيرة عن الاثمان الباهظة التي دفعها الشعب الاميركي بسبب سياسات ادارته المتهورة والظالمة.

اما وقد ولج العالم في حقبة جديدة تختلف عن سابقتها بسبب ما ارتكبته الاداراة الاميركية من اعتداءات و حماقات خطيرة من شانها ان تدخل المنطقة في اتون حروب مدمرة ومكلفة، اصبح من الواجب على الشعب الاميركي  المدافع عن قيم الديمقراطية و حقوق الانسان والحرية ان ينتفض ويقول كلمته قبل ان تورط بلاده هذه الادارة المتعجرفة المستكبرة التي لا تراعي ابسط قواعد القانون الدولي والدبلوماسية وشرعة حقوق الانسان في حروب لم يعد بمقدوره ان يتحمل كلفتها الباهظة والمكلفة التي ستترتب عنها ولو ان سيد البيت الابيض سوف يقبض فاتورتها مسبقا من الانظمة التي تحظى بحمايته التي لم تعد مجانية كما صرح في مناسبات كثيرة، وللشعب الاميركي نقول هل تقبل ان تُستباح ارضك  وتُنتهك سيادتك و تُسرق ثرواتك من قبل غزاة طامعون ؟ هل تقبل ان يتدخل الاخرون في شؤونك الداخلية و يملوا عليك تعليماتهم و توجيهاتهم و اوامرهم ؟ هل تقبل ان يُستهزأ بك و ان تُعامل   بتعجرف و عنجهية من قبل دول اخرى؟ اسئلة كثيرة تطرح نفسها وخاصة وان الكرة الان وبعد هذه التطورات الخطيرة التي وصل اليها العالم و خاصة في منطقتنا هي في ملعب الشعب الاميركي الذي لن يسلم من تداعيات الاوضاع التي سببها النهج المتعجرف لادارته الحالية.

ختاما اقول اما آن الاوان لشعوبنا ان تتحرر من هيمنة  وتسلط  الادارة الاميركية وربيبتها اسرائيل، اما آن الاوان ان ننعم بما تبقى لدينا من ثروات نحن بامس الحاجة اليها للخروج مما نعانيه من تخلف بسبب هؤلاء وانظمة الحكم الفاسدة المترهلة المحمية من قبل الادارة الاميركية ؟ لقد قال اصحاب الحق كلمتهم و بينوا مطالبهم ، إما ان ينهي الطامع عدوانه وهيمنته وتسلطه ويكتفي بما نهبه كل هذه السنوات من ثروات و خيرات ويترك شعوب  هذه المنطقة تدير شؤونها بنفسها وتنظم امورها واوضاعها الداخلية، واما ان يتحمل وزر ما ارتكبه وما سيرتكبه من حماقات قاتلة لا احد يعلم كيف ستكون تداعياتها ونتائجها.

في هذه المرحلة المصيرية  والمفصلية  تبرز اهمية دور الشعب الاميركي و كل من يعارض سياسه دونالد ترامب  الرعناء في العمل على لجمه و الحد من صلاحياته في اتخاذ القرارات الكبرى ومنعه من توريط الشعب الاميركي في المزيد من الحروب والازمات التي ستكون نتائجها هذه المرة كارثية بكل ما للكلمة من معنى.

                                         سعيد توبة


9/1/2020