الصداقة حاجة انسانية وقيمة حضارية

تُعتبر الصداقة احدى اهم العلاقات الاجتماعية التي تجري بين البشر، وهي ذا قيمة حضارية وانسانية نظرا لما تقدمه للبشرية من فوائد جمة تتمثل في تعزيز الروابط والتعاون بين افراد المجتمع وايضا بين الشعوب، والصداقة لا تقتصر بين الافراد بل هي ايضا بين الشعوب والامم، بالاضافة الى المنظمات والجمعيات التي تُساهم في إرساء علاقات المودة والاحترام بين مختلف الحضارات الانسانية، وهي بلا شك تُعد حاجة ضرورية من ضروريات الحياة والبقاء.

ان ما شهده ويشهده عالمنا من ازمات وحروب ونزاعات بسبب الصراعات السياسية بين انظمة الحكم، والتنافس من اجل السيطرة على الثروات الطبيعية، اضافة الى الاختلاف الديني الذي ساهم بدوره في اشعال فتيل الحروب وازكاء الفتن التي اساءت كثيرا الى النفس البشرية وادت الى خلق روح الكراهية والحقد بين شعوب العالم جعله بامس الحاجة الى وجود منظمات وجمعيات يكون هدفها الاساسي ارساء علاقات الصداقة والتعاون بين مختلف الشعوب والعمل الحثيث على التقريب بين الثقافات من خلال اقامة الندوات واللقاءات المتبادلة والزيارات التي من شأنها كسر تلك الجدران الوهمية التي اقامتها صراعات السياسة والمصالح الاقتصادية، بحيث اصبح الهم الاساسي للانظمة السياسية هو الكسب المادي فقط وليس بناء الانسان والحفاظ على قيمه الحضارية وعلاقاته الانسانية سواء داخل الوطن بين مختلف افراده او خارجه مع غيره من مختلف المكونات البشرية.

انطلاقا من هذا تبرز اهمية تعزيز وتقوية علاقات الصداقة بين الشعوب ، وايضا عملية ترميم واصلاح ما احدثته الخلافات السياسية والدينية من تخريب وتدمير للطبيعة البشرية، ومن تباعد ونفور بين الحضارات التي يجمعها الكثير من القواسم المشتركة  والحاجات المتبادلة، ولقد اثبتت الوقائع انه مهما اختلفت الانظمة السياسية فيما بينها ووقعت في حروب مدمرة فانه لا يمكن لها الاستمرار والديمومة اذا لم تضع حدا لنزاعاتها واصلاح ما افسدته الحروب وما سببته من اضرار مادية ومعنوية تدفع اثمانها غالبا الشعوب والمجتمعات البشرية.

امام هذه الوقائع الاليمة التي عاشتها وتعيشها شعوب العالم تبرز اهمية انشاء جمعيات عابرة للقارات يكون هدفها ترميم ما دمرته الحروب والنزاعات من خلال تعزيز روابط الصداقة والمودة والاحترام المتبادل، وايضا العمل على تنشيط روح التعاون الثقافي والحضاري بين الشعوب من خلال انتهاج سياسة الانفتاح و تقبل الفكر الآخر والضغط على الحكومات من اجل الابتعاد عن السياسات التي تُفرق بين الشعوب بدل ان تجمعها وتوحدها على قيم الخير والمودة والتعاون التي تستفيد منها البشرية جمعاء.

لقد آمنت جمعية الصداقة الايطالية العربية ومنذ لحظة تاسيسها عام 1994 على ايدي مجموعة من الصحفيين والحقوقيين المخضرمين من ايطاليين و ايطاليين من اصول عربية بأن الصداقة بين الشعوب هي السبيل الوحيد من اجل الحفاظ على القيم الانسانية الحضارية، ومن اجل خدمة الانسان و تقدمه، و لهذا قامت بتنفيذ العديد من المشاريع الانمائية في العديد من الدول العربية بالتعاون مع بعض الهيئات الدولية التي تُعنى بشؤون التنمية، كذلك فانها اقامت ولا تزال  الكثير من الندوات التي تساهم في تعزيز التبادل الثقافي وتعمل على بث روح الالفة والمودة والاحترام المتبادل، كذلك فإن جمعية الصداقة الايطالية العربية لعبت دورا هاما في تفعيل العمل العربي المشترك على الساحة الايطالية وايضا في ابراز الوجه الحضاري للعالم العربي وتعزيز اواصر الصداقة والتعاون بين الدول العربية وايطاليا.

لقد آلت جمعية الصداقة الايطالية العربية على نفسها ومنذ تأسيسها على دعم وخدمة القضايا العربية العادلة، وايضا في نقل وشرح حقيقة ما تُعانيه الشعوب العربية من ازمات وحروب واحداث مؤلمة، كذلك في اطلاع وتعريف العالم الغربي على الحضارة العربية وانجازاتها، ولهذا فإنها اهتمت ولا تزال بدعوة العديد من الزملاء الاعلاميين الايطاليين لزيارة الدول العربية في مهمات اعلامية، وايضا دعوة عدد كبير من المسؤولين والاعلاميين العرب لزيارة ايطاليا الامر الذي ساهم والى حد كبير في اعطاء ونقل الصورة الحقيقية لما يجري في عالمنا العربي وادى ايضا الى تبني شرائح كبيرة من المجتمع الايطالي وايضا الاوروبي والدولي لقضايا الشعوب العربية المحقة والعادلة.

ان ما حققته جمعية الصداقة الايطالية العربية من نجاحات وانجازات عظيمة كان لها الاثر الكبير في شد اواصر الصداقة بين الشعوب العربية والشعب الايطالي يُثبت وبشكل قوي ان لا خيار امام الشعوب مهما اختلفت جنسياتها واديانها وعاداتها سوى مد وتقوية اواصر الصداقة والمودة فيما بينها، اذ يكفي ما عانته من حروب ونزاعات اكلت الاخضر واليابس وخلفت وراءها خسائر في الارواح والممتلكات لا تعد ولا تحصى. لقد سئمت الشعوب من الحروب والازمات  ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من الخسائر وتبعات النزاعات السياسية.

ان ما يشهده عالمنا اليوم من احداث وحروب مدمرة للجميع يؤكد ان لا خلاص لنا من هذا الجحيم الا من خلال بعث روح المودة والصداقة وانتهاج مبدأ الحوار والنقاش لمعالجة قضايانا وازماتنا، وها هي جمعيتنا  الرائدة في تعزيز ومد اواصر الصداقة والتعاون بين الشعوب العربية والشعب الايطالي قد دخلت عامها الخامس والعشرين وكلها اصرار وارادة صلبة لمتابعة دورها الحضاري والانساني في تعزيز وتقوية علاقات الاخوة والصداقة بين الشعب العربي والايطالي، وهذا ما كان ليتحقق لولا وجودة ثلة من المخلصين المؤمنين باهمية الصداقة ودورها في خدمة الانسان، وهنا اغتنم هذه الفرصة لاوجه تحية اكبار الى كل من ساهم في تاسيس هذه الجمعية ومن عمل ودون كلل او ملل في اعلاء شانها و تحقيق النجاحات الباهرة رغم  كل الظروف القاسية و شح الاموال و زيادة الاعباء، واخص بالذكر الدكتور طلال خريس الذي ساهم ومعه زملاؤه الاشاوس في تأسيس الجمعية وعمل جاهدا ولا يزال في تعزيز دورها وتحسين ادائها رغم الاوضاع المادية الصعبة والظروف السياسية القاسية، وطبعا ما كان لهذا النجاح ان يكتمل بدون مثابرة و جهد بقية الزملاء القيمين على الجمعية الذين قاموا بواجباتهم كل حسب دوره والمهام التي انيطت به.

ايضا انتهز هذه المناسبة لاوجه التحية والترحيب ب الدكتور نينو كالجيرو امينا عاما للصداقة متمنيا له التوفيق والنجاح في مهمته لما فيه مصلحة الصداقة الايطالية العربية.

ختاما لا بد من التأكيد و كما اسلفت سابقا ان خلاصنا من ازماتنا وخلافاتنا  لا يمكن ان يكون الا من خلال مد اواصر التعاون والصداقة فيما بيننا مهما اختلفنا و تباينت وجهات نظرنا، فالصداقة هي التي تجمعنا وتقرب بيننا لما فيه خير مجتمعاتنا واجيالنا القادمة.

                                        سعيد توبة

10/8/2019