العظماء لا يموتون

الوطن كلمة تختصر معاني ومفاهيم كثيرة، فهو المكان الذي يضمنا بين احضانه، هو البيت الكبير الذي تستريح فيه النفس، وتأوي اليه الروح، وهو الارض الرحبة الواسعة التي نحيا فيها ونموت ونُدفن في ترابها، فإن بعدنا عنه نشتاق اليه اكثر واكثر، وعندما نعود اليه نقبل ترابه عشقا وشغفا، والوطن بما يتمتع به من ماض عريق وحضارة عظيمة، وما يحتويه من خيرات وثروات، وما يملكه من مقدرات وطاقات، وما يشتهر به من عادات وتقاليد، لا يمكن له ان يُوغل اكثر واكثر في عباب التاريخ الهائج ويبقى صامدا، قويا، صلبا، قادرا على التطور والتقدم، ما لم يكن لديه ربانا ماهرا مخضرما يقوده ويسهرعلى حمايته وامنه، ويعمل دون ملل او كلل على تطويره وتقدمه، ويبذل الجهود الكبيرة من اجل تأمين الحياة الكريمة العزيزة لابناء شعبه ووطنه، وهذا ما انعم الله به على سلطنة عُمان،هذا الوطن الجميل، النابض بالحياة، الغني بتاريخه وثقافته، الثري بقيمه العربية الاصيلة، المشهور بحسن ضيافته ودماثة اخلاق اهله، بأن يتولى زمام قيادته قائدا فذا، حكيما، محنكا، تمتع بكل صفات الحاكم العادل،المخلص لوطنه وشعبه،المحب لبلاده وارضه، المدافع عن سيادته وكرامته، الحريص على علاقات المودة وحسن الجوار، الساعي دوما لتمتين اواصر الصداقة والعلاقات الطيبة مع بقية الشعوب، اوليس هوالقائل:” اتطلع لليوم الذي انظر فيه للخارطة ولا ارى بلداً فيها الا وارتبط بعلاقة مع عُمان وشعبها.” انه المغفور له جلالة السلطان قابوس بن سعيد، الذي رحل ليلاقي ربه وهو مطمئن البال، ومرتاح الضمير، فلقد ادى الامانة كاملة تجاه شعبه ووطنه الذي تولى زمام حكمه لما يزيد عن 50 عاما، كانت حافلة بانجازات ضخمة ونوعية اوصلت السلطنة الى ماهي عليه اليوم من مكانة مرموقة ومركز متقدم تحتله بجدارة  في مصافي الدولة المتحضرة.

لقد تمكن الراحل الكبير ومنذ توليه الحكم منذ 50 عاما، من ارساء اسس ودعائم الوحدة الوطنية، وذلك ايمانا منه انها هي الاساس والركيزة لنجاح عملية التنمية واستمراريتها، كذلك فأنه سعى وبقوة من اجل اعلاء قيم العدالة والمواطنة والمساواة وحكم القانون، وايضا تدعيم اركان دولة المؤسسات التي ينعم بها المواطن العُماني والمقيم على حد سواء.

ان الانجازات التي شهدتها سلطنة عُمان في ظل حكم المغفور له لا يمكن حصرها وتعدادها وذلك لكثرتها وغناها، لكن ما تنعم به السلطنة اليوم من تطور وازدهار، وامن وآمان في محيط متأزم وغير مستقر لخير مثال على نجاح و حكمة وحنكة هذا القائد العظيم، الذي استطاع ان يقود البلاد في اصعب واشد واعتى العواصف التى ضربت ولا تزال العالم باكمله، كيف لا وهو ابن هذا البلد الذي عرف منذ العصور القديمة بريادته ودوره البحري الملاحي وصلاته الكبيرة والتاريخية مع الحضارات القديمة، لا سيما الحضارات السومرية والبابلية والرومانية والفرعونية، وغيرها من الحضارات والشعوب في حقب مختلفة، وكان العُمانيون في الطليعة  الذين اعتبرت مغامراتهم واسفارهم مثلا يحتذى في الإقدام والجرأة والشجاعة.

ان سلطنة عُمان وفي ظل حكم المغفور له لم تبق سجينة التاريخ والماضي، لا بل ومنذ قدومه الى السلطة وعد في خطابه التاريخي الاول(31 يوليو 1970) بإقامة دولة عصرية ومستقبل عظيم لعُمان وشعبها، وهو ما تحقق خلال عهده، حيث نعمت السلطنة بمنجزات عديدة ومتواصلة شملت مختلف مجالات الحياة والانتقال بها مما كانت عليه الى آفاق القرن ال21، والى الاسهام الايجابي في السلام والامن والاستقرار لها ولكل دول وشعوب المنطقة من حولها.

لقد ارتكزت انطلاقة عهد المغفور له السلطان قابوس بن سعيد على انجازات اقتصادية واجتماعية، وعلى ازدهار وتطور كبير لمستوى معيشة المواطن العُماني بكل جوانبها، ولقد حملت صفاته ونظرته الى السلام الداخلي والخارجي مثالا واضحا عن القيادة الدبلوماسية التي نعمت بها السلطنة، تجلى ذلك في دوره المميز في تقريب وجهات النظر وحل الخلافات بالطرق السلمية بين ابناء العائلة العربية الواحدة، وكيف عاشت السلطنة ايام رخاء وامان ورفاهية في الداخل، وعلاقات متينة مع الجميع في الخارج، وخاصة في منطقة ملتهبة بالازمات والصراعات والخلافات، اذ انها لطالما نادت الى اعتماد الحل السلمي واللجوء الى الحوار والتعاون والاستقرار الاقليمي، واضحى للدبلوماسية العُمانية دورا هاما لا يمكن تجاهله اوالاستغناء عنه، حيث عملت ولا تزال على مد الجسور بين الاطراف، وجمع التناقضات، ورص الصفوف من اجل البحث عن حلول على المستوى الاقليمي او الدولي.

لقد رحل باني نهضة عُمان الحديثة في ظل مرحلة صعبة ومعقدة يمر بها عالمنا العربي والدولي ، وفي لحظة مصيرية هي احوج ما تكون الى امثال هؤلاء القادة الحكماء، اصحاب النظرة الثاقبة والبصيرة الواعية والمتيقظة، التي ادركت ونجحت في معالجة الكثير من الازمات وساهمت في اطفاء العديد من الفتن والحروب التي لو لم يتم التصدي لها بالحكمة والحنكة والبصيرة، لقضت على منطقتنا من شدة حرائقها حيث استطاع بعضها ان يفلت من محاولات الاطفاء التي قام بها امثال هؤلاء القادة الافذاذ.

اما وقد شاء الله تعالى ان يختار المغفور له الى جواره لا يسعنا سوى التسليم بقضائه والرضى بامره، وان ندعوه ان يجزي جلالته خير الجزاء وان يتغمده بالرحمة الواسعة والمغفرة الحسنة، وان يلهم الشعب العُماني الشقيق الصبر والسلوان على فقدانه ابا واخا وابنا بارا سيخلده التاريخ، وتنقش سيرته الفذة في ذاكرة كل مواطن عُماني مخلص لوطنه.

ختاما لا يسعنا سوى ان ندعو الله تعالى ان يوفق الخلف الصالح والمؤتمن على الامانة الغالية صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ليكمل المسيرة كما ارادها المغفور له، سواء على الصعيد الدولي او الاقليمي اوالداخلي، وان يحافظ على ما حققه المغفور له من انجازات ضخمة، ونجاحات باهرة، وسياسات حكيمة، لا يزال الجميع يحصد من خيراتها رغم هذا القحط والجفاف وندرة القادة والزعماء الحكماء، الذي يضرب عالمنا ويهدد بقاءه واستمراريته.

الى روح المغفور له نهديه صلواتنا ودعواتنا القلبية، والى  الشعب العٌماني المضياف اصدق التعازي والمواساة، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

                                           سعيد توبة

                                         12/1/2020