الى اين نحن ذاهبون؟

ايها اللبنانيون، ايا كنتم والى اي فئة انتميتم، وفي اي حي او قرية او مدينة انتم مقيمون، دعونا نفتح قلوبنا لبعضنا البعض، فلقد جف ماء الرجاء في نفوسنا ودب اليأس فيها فالى اين نحن ذاهبون؟

لقد ضمنا هذا الوطن الصغير وكان كريما معنا فلماذا نحاول اليوم  ان نُكفر به وان نرد له جميله بالتنافر والتباعد والتشكيك؟ لقد ضلل بنا الجهل واغوانا البطر واعمت قلوبنا العصبية البغيضة، فوجدنا انفسنا نتبادل الشك فانطوينا وابتعدنا عن بعضنا البعض ، واصبحنا نبحث عن وسيلة لنحمي انفسنا من بعضنا، هل نسينا اننا ابناء وطن واحد، ورفاق صبا ورفاق عمر؟

لماذا؟ لماذا؟ تلك الايام الحلوة، تلك العشايا السالفة،السهرات الجميلة، افراحنا، احزاننا المشتركة، قرانا مدننا التي عشقناها واحببناها جميعا، ذكرياتنا، مقاعد دراستنا المشتركة، ذلك الزمن الجميل استحال ذكرى، مجرد ذكرى ، بعد ان زرع (المجرمون) بيننا جراثيم الشك والقلق والخوف.

ان الشرائع والقيم والقوانين، وكل ما انزلته السماء واخرجته الارض، انما كان ليجمع الناس و يوحدها لما فيه خير مجتمعاتها ، فمن هم هؤلاء الخبثاء الحاقدون الكفرة الذين جاؤوا يبثون في آذاننا وينفثون في صدورنا سموم البغض والتفرقة، وماذا افادتنا التفرقة وكل هذه الفتن؟ لقد كنا نعيش في طمأنينة  وها نحن اليوم نعيش في خوف دائم من بعضنا البعض، لقد كنا نتعاون وتتشابك ايدينا في بناء مستقبلنا وها نحن اليوم نتنابذ وينطوي كل على نفسه حائرا يائسا حزينا،كان كل واحد منا يمني نفسه بمستقبل زاهر له ولابنائه من بعده، فماذا حل بنا؟ اي شيطان غوينا حتى بتنا يكاد لا يغمض لنا جفن من القلق، ونبيت كل ليلة على يأس.

لقد ارتكب كل منا اخطاء عندما حكم عاطفته بعقله وانجرف في سيول العصبية والمذهبية والطائفية والحزبية، فلنسامح بعضنا البعض، فنحن ابناء عائلة واحدة، وكم تقوم بين ابناء العائلة الواحدة من خلافات ومشاحنات ثم يعودون الى بعضهم، بعد ان يعودوا الى ضمائرهم وعقولهم. لقد عشنا اجيالا معا فلماذا لا نحافظ على هذا التاريخ المشترك وان اختلفنا في آرائنا وافكارنا؟ لقد اثبتت الوقائع انه لا يمكن لنا ان نعيش منفصلين متقوقعين متناحرين، وجميعنا يعلم ان هذا الوطن ليس له وحده ، وجميعنا ايضا لا يشك باننا لا نستطيع ان نقرر مصيرنا ومصير هذا الوطن بدون رضى الاخر، فلماذا اذا ننصت للضالين والمضللين و ندعي غير ما نؤمن به؟

لقد كانت جريمتنا الكبرى، يوم انصرفنا جميعنا عن وطننا وتركناه في يد تجار السياسة والطائفية، يستثيرون غرائزنا كلما استدعت مصلحتهم ذلك، ويحرضوننا على ايذاء بعضنا البعض كلما آذوا هم بعضهم البعض، لماذا نترك لهم هذا الوطن يعبثون به ويدمرونه وهم ايا كانوا اقلية ضئيلة تاجرت وتتاجر اليوم بارواحنا وبمقدراتنا ومستقبل اولادنا وباقدس قيمنا في سبيل ارضاء جشعها وطمعها وانانيتها.

في هذه الايام العصيبة التي نمر بها تكاد الدموع تلازم عيوننا، قهرا وألما، امام هذا الدرك المرعب الذي انحدرنا اليه جميعنا، في الوقت الذي ينتابنا فيه القلق، كل لحظة، وينهش فينا اليأس كل ساعة، وفي الوقت الذي اصبحت فيه كرامتنا وحياتنا تحت رحمة طبقة سياسية غلبتها انانيتها وجشعها، وارعن مجهول يتربص بنا عند كل منعطف، في هذا الوقت الذي اصبح فيه الانسان محيرا بين الاستسلام، وبالتالي انتظار مصرعه ودمار وطنه، وبين الانتفاض والثورة وبالتالي استحقاق الحياة و ضمان المستقبل، في هذا الوقت حان الاوان ان نصرخ جميعا، نحن المواطنين المظلومين، نحن المواطنين الشرفاء، نحن المواطنين الذين تاجر بنا ارباب الساسة وتلاعب بمصائرنا من هم دوننا خلقا وعلما، ودوننا اخلاصا لوطننا، نحن المثقفين والعمال والفلاحين، نحن التجار والموظفين والمستخدمين، نحن اكثرية الشعب اللبناني، نحن ابناء هذا الوطن الراغبين في العيش الكريم، حان الاوان ان نعلن باسم الكرامة، باسم حقنا في الحياة، باسم الضمير، اننا نرفض هذا المصير الذي وصلنا اليه، واننا لا نقبل ولن نبقى بأن يبقى مصيرنا ومصيرابنائنا في قبضة نفر من السياسيين الفاسدين، وتحت رحمة حيتان مال لم تشبع بعد، نعلن اننا لن نستسلم لليأس، نعلن اننا بين انتظار دمارنا ودمار و تخريب وطننا، وبين الانتفاض والعمل على انقاذه وانقاذ انفسنا ، قد اخترنا ان لا ننتظر.

ان الحقائق لم تعد خافية على احد، وهذا الكم الهائل من فضائح ارباب السلطة خير دليل على انها فشلت في حكم الوطن وادارة شؤونه، فمكامن الداء باتت معروفة للقاصي والداني، ولقد نشأ راي عام جديد يضم مختلف اطياف المجتمع اللبناني ولم يعد احد يستطيع ان يوهم الناس بحقائق مزورة واكاذيب مكشوفة، لان هذا الرأي العام قد اشار الى الداء بيده ولمس الاخطاء بانامله، واصبح يجمع على الشعور بالاشمئزاز كما يجمع على ضرورة الخلاص من هذه الدوامة القاتلة التي نعيشها ومنذ زمن طويل.

ان الاكثرية الساحقة من ابناء الشعب اصبحت تشعر بمسؤولية عارمة بما في ذلك تلك الفئات التي لم تخرج الى الساحات لتتضامن مع ابناء وطنها الذين انتفضوا وثاروا على واقعهم الاليم الذي اوصلتهم اليه السلطة الحاكمة، لكنهم جميعا يشعرون بالدماء تغلي في عروقهم وتدفعهم الى العمل على كسر طوق اليأس والقلق، الى استرداد الكرامة وحق التعبير، الى اعادة الحقوق المهدورة والاموال المنهوبة، الى انقاذ الوطن والاجيال القادمة، ان هذا الكم الكبير من المواطنين الواعين المثقفين المتحررين، من ابناء الجيل الجديد يجمعون اليوم على ان المخرج الوحيد من الكارثة هو في بناء لبنان جديد، هو في نقل القيادة السياسية من ايدي ارباب السياسة الرجعيين الذين فشلوا واودوا بلبنان لتغطية فشلهم الى حافة الخراب، هو في بعث واحياء تفكير سياسي جديد قائم على القيم الانسانية الحقيقية، على العدالة الاجتماعية، على التنظيم، على الحرية المسؤولة، هو في وضع حد للاستغلال الطائفي، هو في اقامة مساواة حقيقية بين جميع الفئات اللبنانية، مساواة على المستوى الشعبي، لا مساواة يستفيد منها ابناء ارباب السياسة الذين يتقاسمون فيما بينهم مقدرات هذا الوطن وثرواته.

ختاما اقول، امام هذا الاجماع الوطني رغم كل ما اصابه من تشويه وشيطنة المُطالب بالعيش الكريم والطمانينة، وامام هذا الاجماع الفكري والثقافي المُطالب بتحطيم جدران الوهم بين ابناء الوطن الواحد والتي بنتها هذه الطبقة السياسية المتعاقبة، امام هذا الشيء”الجديد” الذي يضج في عقول وصدور الكثير من فئات الشعب المقهور، لا بد ان يذوب الجليد وان تنهار جدران القلق واليأس والظلم، لا بد ان يولد لبنان جديد، لذلك ونحن نعيش اسوء حقبة من تاريخ وطننا، ونحن نتردى على حافة الهلاك، نشعر رغم كل ذلك بموجة عارمة من الثقة والامل تدفع المواطنين المخلصين والواعين بعضهم نحو البعض الآخر رغم كل محاولات التفرقة وبث الفتن الطائفية والمذهبية، وتضعهم على اول طريق التجربة الكبرى الحقيقية والاولى في تاريخ وطننا لاقامة دولة عصرية تسودها قيم العدالة والمساواة، وتتجسد فيها الوحدة الوطنية الحقيقية.

لذلك نعلن مجددا اننا لن نستسلم! واننا اخترنا ان نحيا! واننا سنبني لبنان الجديد!

 

                     سعيد توبة

                      30/11/2019